محمد كرد علي

212

خطط الشام

إيليا ( الخضر ) وتلميذه اليشاع ( اليسع ) . وفي بعض دور الكتب العبرية في دمشق إلى اليوم آثار مخطوطة يرجع عهدها إلى القرن الحادي عشر للميلاد . وصفوة القول أن اليهود لم ينقطعوا عن الشام لا سيما عند فتح المسلمين لها إذ ثبتت أقدامهم فيها وتوفرت لهم أسباب الهناء والرخاء . ولم تؤثر التطورات والفتوحات التي وقعت في هذا القطر في اعتقاد اليهود الديني ولا غيرت شكلا من مراسمهم ، بل كانت بالعكس سببا قويا لتضافرهم وتحفزهم لدرء كل ما من شأنه أن يفسد لهم معاملاتهم وعاداتهم . وما زالوا منذ الخلقة كسائر اليهود يعبدون اللّه عزّ وجلّ ويوحّدونه ويعرفونه بيهوه كما تسمى إلى آدم وإلى الآباء والأنبياء بقوله لهم باللفظ العبري : « إني ي ه وه » أي أنا يهوه . وقد فصل المجتهدون من علماء اليهود اسمه المقدس تفصيلا وافيا خلاصته باللغة العبرانية : « هيا ، هيو ، يهيه » ومعناه كان ( في الماضي ) وكائن ( في الحال ) وسيكون ( في المستقبل ) أي إنه تعالى حي قيوم دائم إلى الأبد . وكان يرفق أحيانا اسمه الكريم في التوراة كلمة « إلوهيم أو شدّاي » ومعناهما الجبروت والشدة . ويحترم اليهود أيضا الأنبياء الذين أوحي إليهم في زمن ملوكهم وعددهم 48 . يتآلف اليهود مع مواطنيهم مهما اختلفت نزعاتهم . فهم فرنسيس في فرنسا ، وروس في روسيا ، وإنكليز في بريطانيا ، وهنا أيضا لا يختلفون عن الشاميين من حيث الأخلاق والزي . ولأسمائهم دخل قوي في الألفة مع مسلمي الشام . فهم يتسمون بأسماء لا يسمى بها غيرهم من اليهود كصبحي وصبري وعارف ومراد ويحيى وعبده وبهية وعائشة وجميلة إلى ما هنالك من الأسماء العربية المحضة ، ومما يزيد ائتلافهم مع المسلمين أنهم مضطرون بحكم الدين الموسوي أن يراعوا مثلهم أحكام الختان والغسل والطهارة . ولغة اليهود « العبرية » أينما حلّوا ورحلوا يتعرف بها بعضهم إلى بعض وبها يؤدون فروض صلواتهم اليومية وشعائرهم الدينية ، ولغتهم هذه هي شقيقة اللغة العربية . فإن الصرفيين العرب لا يتعذر عليهم معرفة دقائق الصرف العبراني وكذلك العبرانيون لا يصعب عليهم تعلم اللغة العربية والتعمق